وهي فعلت ذلك لأنها، كما قال رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، كانت تُقدم مكرهة على خطوة إلزامية، أو حتى على بادرة حسن نية متأخرة، تجاه الحكام السوريين الجدد، عندما لم تبادر الى منع وصولهم الى دمشق، بعد أن تخلى عن نظام الاسد الحليف، الذي لم يكن لإسرائيل مصلحة في سقوطه.. لكنها لم تتلق عبارات الشكر، وباقات الزهور من دمشق، حسب تعبيره، وهي لذلك قررت عدم التساهل مع أي خطر أمني من الشمال.. بالاستيلاء على جزء من الأرض السورية.
وفي أبسط تحليل لقرار نتيناهو باقتحام الجبهة السورية، يجدر التذكير بان إسرائيل لم تتخل عن سابق تصور وتصميم، عن حليفها بشار الاسد بل كان انهيار نظامه من "الاضرار الجانبية" للحرب الإسرائيلية على ايران سواء بضرب قواعدها العسكرية التي كانت منتشرة على الأراضي السورية، او باستهداف مواقعها ومراكزها الحيوية داخل الأراضي الإيرانية نفسها..وهو ما ساهم في إنكشاف نظام الأسد، الذي تهاوى فعلياً عندما رفعت روسيا الغطاء عنه نتيجة حربها على أوكرانيا.
والتاريخ السوري المكتوب والموثق يؤكد أيضا أن وصول حافظ الاسد الى السلطة كان بمثابة انقلاب عسكري يميني على التيار القومي العربي واليساري، البعثي والناصري في سوريا..أرسيت قواعده في ستينات القرن الماضي عندما شن الأسد حملته الأولى على المقاومة الفلسطينية ورموزها، وهي الحملة التي طوّرها خلال سنوات حكمه الثلاثين، وأورثها الى ولده بشار، ونال بنتيجتها شرعية إسرائيلية لا جدال فيها، عكست أيضا مباركة أميركية ظلت صالحة طوال نصف قرن، حتى فرار الأسد الابن الى موسكو قبل نحو ثلاثة أشهر.
بدلا من أن تتريث إسرائيل في انتظار تلقي الشكر والعرفان من حكام دمشق، سارعت الى سد الفراغ العسكري على حدودها الشمالية التي افتقدت الحماية من قوات الأسد، والى اختبار فراغ السلطة في دمشق، وفي الجنوب السوري المتمرد، او المرتاب حتى الآن من كل ما يُفتح في العاصمة السورية من مسارات متعرجة نحو إعادة بناء الدولة في سوريا.
لم يكن من الصعب الاستنتاج ان هذا الاختبار الإسرائيلي لسوريا الجديدة، أفلح ليس فقط في كشف الفراغ الظاهر على مستوى السلطة في دمشق، بل أيضا على مستوى الرأي العام الذي تعامل حتى الآن مع الاستيلاء الإسرائيلي على جزء مهم من الأرض السورية، بتساهل لافت، بوصفه توغلاً إسرائيلياً إعتيادياً، محدوداً ومؤقتاً، لايقصد منه العدو تغيير الحدود ولا تعديل الجغرافيا السياسية لسوريا الغد.. فكان الاحتجاج الرسمي السوري على ذلك الخرق الإسرائيلي بأهدأ ما يمكن من عبارات التنديد والاستنكار التي يحفل بها القاموس الاسدي القديم، وكان التظاهر الشعبي متهاوناً ومهادناً ومتواضعاً ضد المحتل الإسرائيلي، الذي كان في الواقع، يسحب تقديماته (تنازلاته) السابقة لنظام الأسد التي أعقبت حرب تشرين، ويعيد رسم الحدود الثنائية الى ما كان يطمح اليه في حرب العام 1967.
أمام هذا الانتهاك الإسرائيلي الفظ لسوريا الأرض والامن والسياسة والاجتماع.. لم يخرج السوريون بمجموعهم، سلطة وجمهوراً، بمواقف (لفظية) تحفظ مبادئ وقواعد الشرعية الوطنية المعترف بها دوليا، وتوجه على الأقل إنذاراً (دبلوماسياً) الى العدو بأن يوم الحساب آت، ولن يتم التسليم أبداً باقتطاع جزء من الأرض السورية، وجزء من التكوين الاجتماعي السوري(الدروز تحديداً) مهما طال الزمن.
أضاع حكام دمشق الجدد، ومواطنو سوريا عموماً فرصة ذهبية، لخوض تلك المواجهة مع العدو الاسرائيلي الذي يفصح عن انه يريد ان يعوض خسارته نظام الأسد، كان يمكن ان تستحضر "الخطابية" الاسدية نفسها، وتستخدمها في استعادة الوحدة الوطنية المهشمة، والتأسيس لبناء الدولة الجديدة، ومؤسساتها السياسية والعسكرية، على أسس كان السوريون وما زالوا يحلمون ببنائها.. بغير الأدوات والأساليب والأفكار المطروحة حالياً.
--------
المدن